بديع الزمان الهمذاني

المقامة الغيلانية

بلاد تميم · ذو الرمة والفرزدق · 24 لفظاً مؤطَّراً

المقامة الغيلانية

شجرات ألاء كالعهود، وذو الرمة يرفع عقيرته، والفرزدق نائم.

الراوي عيسى بن هشام · البطل أبو الفتح الإسكندري

في جرجان يدور الحديث عمّن أعرض عن خصمه حلماً أو احتقاراً، فيروي عصمة بن بدر أنه لقي غيلان بن عقبة، ذا الرمة، فسارا حتى غارا تحت الأثل. نام ذو الرمة غراراً ثم قام يهجو امرأ القيس وقومه، فتنبّه نائم غير بعيد: الفرزدق. زاد ذو الرمة فهجا مجاشعاً. لم يزد الفرزدق على أن قال: قبّحاً لك يا ذا الرميمة، وعاد في نومه كأن لم يسمع. ليست حيلة إسكندري هنا، بل خبر في الاحتقار أبلغ من الرد.

حَدَثَنْي عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ بِجُرْجَانَ، فِي مُجْتَمَعٍ لنَا نَتَحَدَّثُ، وَمَعَنَا يَوْمَئِذٍ رَجُلُ العَرَبِ حِفْظاُ وَرِوَايةً، وَهَوَ عِصْمَةُ بْنُ بَدْرٍ الفَزَارِيُّ، فأَفْضَى بِنَا الكَلاَمُ إِلَى ذِكْرِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ خَصْمِهِ حِلْماً، وِمِنْ أَعْرَضَ عَنْ خَصْمِهِ احْتِقَاراً، حَتَّى ذَكَرْنَا الْعَبْدِيَّ وَالبَيِثَ، وَمَا كَانَ مِنْ احْتِقَارِ جَريرٍ وَالفَرَزْدَقِ لَهُمَا، فَقَالَ عِصْمَةُ: سَأُحَدِثَكُم بِمَا شَاهَدَتْهُ عَيْني، وَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ غَيْري، بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي بِلادِ تَمِيمٍ مُرْتَحِلاً ، وَقائِداً ، عنَّ ليَ رَاكِبٌ عَلىَ جَعْدِ ، فَحَاذَانِي حَتَّى إِذا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، مَنِ الرَّاكِبُ الجَهيرُ الكَلاَمِ المُحَيِّي بِتَحيَّة الإِسْلاَمِ؟ فَقَالَ: أَنَا غَيْلاَنُ بْنُ عُقْبَةَ، فَقُلتُ: مَرْحَباً بِالكَرِيم حَسَبهُ الشَّهِيرِ نَسَبُهُ، السَّائِرُ مَنْطِقُهُ، فَقَالَ: رَحُبَ وَادِيكَ، وَعَزَّ نَاِديَكَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عِصْمةُ بْنُ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، قَالَ: حَياَّكَ اللهُ نِعْمَ الصَّدِيقُ، وَالصَاحبُ والرَّفِيقُ، وَسِرْنَا فَلَمَّا قَالَ: أَلاَ يَاعِصْمةُ فَقَدْ الْشَّمْسُ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَمِلْنَا إِلِى شَجراتٍ كَأَنْهُنَّ عَذارَى مُتَبَرِّجاتٌ، قَد نَشَرْنَ غَدائِرَهُنَّ، تُنَاوِحُهُنَّ، فَحَطَطْنَا رِحَالَنَا، وَنِلْنَا مِنَ الطَّعَامِ، وَكانَ ذُو الرُّمَةِ زَهِيدَ الأَكلِ، وَصَلَّيْنَا بَعْدُ، وَآلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلى ظِلِّ يُرِيدُ ، وَاضَطَجَعَ ذُو الرُّمَّةِ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ مِثَلَ صَنِيعِهِ، فَوَلَّيْتُ ظَهْرِي الأَرْضَ، وَعَيْنَاي لاَ يَمْلِكُهُمَا غُمْضٌ، فَنَظَرْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ إِلَى نَاقَةٍ قَدْ ضَحِيَتْ مُلْقىً، وَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يَكْلأُهَا كأَنَّهُ أَوْ فَلَهِيتُ عَنْهُمَا، وَما أَنَا وَالسُّؤالَ عَمَّا لاَ يَعْنِينِي؟ وَنَام ذُو الرُّمَّةِ غِرَاراً، ثُمَّ انْتَبَهَ، َوكاَنَ ذلِكَ فِي أَيَّامِ مُهَاجاتِهِ لِذَلكَ الْمُرِّيَّ، فَرَفَعَ وَأَنْشَدَ يَقُولُ: أَمِنْ مَيَّةَ الطُّلَلُ الـدَّارِسُ *** بِهِ العَاصِفُ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَ شَجِيجُ *** وَمُسْتَوْقَدٌ مَا لَهُ قَـابِـس وَحَوْضٌ تَثَلَّمَ مِنْ جَانِـبَـيْهِ *** وَمُحْتَفَلٌ دَارِسٌ طامِـسُ وَعَهْدي بِهِ وَبِهِ سَـكْـنُـهُ *** وَمَيَّهُ وَالإِنْـسُ وَالآِنـسُ كَأَنِّي بِمَيَّةَ مُسْـتَـنْـفِـرٌ *** غَزَالاً ترَاءَى لَهُ عَاطِسٌ إِذَا جِئْتُهَا رَدَّنيِ عَـابِـسٌ *** رَقِيبٌ عَلَيْها لَهَا حَـارِسٌ سَتَأْتِي امْرِأَ الْقَيْسِ مَأْثُورَةٌ *** يُغَنِّي بِها العَابِرَ الجَالِـسُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ امْرأَ القَيْسِ قَـدْ *** بِهِ دَاؤُهُ الـنَّـاجِـسُ هُمُ القَوْمُ لاَ يَأَلَمُونَ الْهِجَاءَ *** وَهَلْ يَأَلَمُ الحَجَرُ الْيَابِـسُ فَمَا لَهُمُ في الْعُلاَ رَاكِـبٌ *** وَلاَ لَهُمُ فِي الوَغَى فَارِسُ مُمَرْطَلةٌ فِي حِياضِ المَلاَمِ *** كَمَا دَعَسَ الاْدَمَ الدَّاعِـسُ إِذَا طَمَحَ النَّاسُ لِلْمَكْرُماتِ *** فَطَرْفُهُمُ المُطْرِقُ النَّاعِسُ تَعَافُ الأَكَارِمُ إِصْهَارَهُـمْ *** فَكًلُّ أَيَامَاهُـمُ عـانِـسُ فَلَمَّا بَلَغَ هَذا البَيْتَ تَنَبَّهَ ذَلِكَ النَّائِمُ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: أَذُو يَمْنَعُنِي النَّوْمَ بِشِعْر غيْرِ مُثَقّفٍ وَلاَ سَائِر؟ فَقُلْتُ يَا غَيْلاَنُ، مَنْ هَذا؟ فَقَالَ: الْفَرَزْدَقُ، وَحَمِى ذُو الرُّمَّةِ فَقَالَ: وَأَمَّا الأَرْذَلُـونَ *** فلَم يَسْقِِ مَنْبِتَهُـمْ رَاجِـسُ سَيَعْقِلَهُمُ عَنْ مَسَاعِي الْكِرَام *** عِقَالٌ، وَيَحْبِسهُمُ حَـابِـسُ فَقُلْتُ: الآنَ يَشْرَقُ فَيَثُورُ، وَيَعُمُّ هذا وَقبِيلَتُهُ بِالهِجَاءِ، فَوَاللهِ مَا زَادَ الفَرَزْدَقُ عَلى أَنْ قَالَ: قُبْحَاً لكَ يا ذَا ! أَتَعْرِضُ لِمِثْلي بِمَقالٍ مُنْتَحَلٍ؟ ثُمَّ عَادَ فِي نَوْمِهِ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئاً، وَسَارَ ذُو الرُّمَّةِ وَسِرْتُ مَعَهُ، وَإِنِّي لأَرَى فِيهِ انْكِسَاراً حَتَّى افْتَرَقْنَا.

المتن من الملك العام برواية ويكي مصدر، مع إصلاح رسم يسير حيث فسد النقل. المس اللفظ الأحمر. الشروح للتذوّق لا للتحقيق.

ألفاظ هذه المقامة