بديع الزمان الهمذاني

المقامة الفزارية

بلاد فزارة · ليل ولقام ثم سيف للزينة · 18 لفظاً مؤطَّراً

المقامة الفزارية

فلاتٌ ليلية، وراكب يطوي منشورها، وسيف على عاتق ليس للقتل.

الراوي عيسى بن هشام · البطل أبو الفتح الإسكندري

عيسى منحدر إلى وطنه في بلاد فزارة، في ليل لا يبصر فيه الوطواط. يعنّ له راكب تام الأداة فيخاف، ثم يسأله عن طعمته. الرجل يجوب البلاد حتى يقع على جفنة جواد، ويمدح كريماً لقيه بالأمس، ويومئ إلى ثياب عليه. يسأله عيسى الشعر فيملأ الوادي. يهب له الحقيبة وناقتها، ثم يقبض عليه حتى يحسر اللثام: أبو الفتح. فيعارضه عيسى: ما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالاً، فصُغ ما حليت به سيفك خلخالاً.

حدثنا عيسى بن هشام قال: كُنْتُ فِي بَعْضِ بلادِ فَزَارَةَ مُرْتَحِلاً ، وَقائِداً ، يَسْبَحَانِ بِي سَبْحاً، وَأَنَا أَهِمُّ بِالْوَطَنِ، فَلاَ اللَّيْلُ يَثْنِينِي بِوَعِيدِهِ، وَلاَ البُعْدُ يَلْوِينِي بِبِيدِهِ، فَظَلِلْتُ أَخْبِطُ وَرَقَ النَّهَارِ، بِعَصَا التَّسْيَار وَأَخُوضُ بَطْنَ اللَيلِ، بِحَوَافِرِ الخَيْلِ، فَبَيْنَا أَنَا فِي لَيْلَةٍ يَضِلُّ فِيها ، وَلا يُبْصِرُ فِيهَا ، أَسِيَحُ سَيْحاً، وَلا إِلاَّ السَّبُعُ، وَلاَ إِلاَّ الضَّيُعُ، إِذْ عَنَّ لِي رَاكِبٌ تامُّ الالاَتِ، يَؤُمُّ ، يَطْوي إِلَىَّ مَنْشُورَ الفَلَوَاتِ، فَأَخَذَني مِنْهُ ما يَأْخُذُ الأَعْزَلَ مِنْ السِّلاَحِ، لكِنِّي تَجَلدْتُ فَقُلْتُ: أَرْضَكَ لاَ أُمَّ لَكَ، فَدُونَكَ شَرْطُ الحِدَادِ، وَخَرْطَ ، وَخَصْمٌ ضَخْمٌ، وَحَمِيَّةٌ أَزْدِيَّةٌ، وَأَنَا سِلْمٌ إِنْ شِئْتَ، وَحَرْبٌ إِنْ أَرَدْتَ، فَقُلْ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: سِلْماً أَصَبْتَ، فَقُلتُ: خَيْراً أَجَبْتَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: نَصِيحٌ إِنْ شَاوَرْتَ فَصِيحٌ إِنْ حَاوَرتَ، وَدُونَ إسْمِي ، لاَ تُميطُهُ الأَعْلاَمُ، قُلْتُ: فَمَا ؟ قَالَ: أَجُوبُ جُيُوبَ البِلاَدِ، حَتَّى أَقَعَ عَلى جَوادٍ، وَلِي فُؤَادٌ يَخْدِمُهُ لِسَانٌ، وَبَيَانٌ يَرْقُمُهُ بَنَانٌ وَقٌصَارَاي كَرِيمٌ يَخْفِضُ لِي جَنِيبَتَهُ، وَيَنْفُضُ إِليَّ حَقِيبَتَهُ، كَابْنِ حُرَّةٍ طَلَعَ عَلَيَّ بِالأمْسِ، طُلُوعَ الشَّمسِ، وَغَربَ عَنِّي بِغُرُوبِها، لكِنَّهُ غَابَ وَلمْ يَغِبْ تَذْكارُهُ، وَوَدَّعَ وَشَيَّعْتَني آثَارُهُ، وَلا يُنْبِئُكَ عنْهَا، أَقْرَبُ مِنُهَا، وَأَوْمأَ إِلى ما كانَ لَبِسَهُ، فَقُلْتُ: شَحَّاذٌ وَرَبِّ الْكَعْبةِ آخَّاذُ، لَهُ فِي الصَّنْعَةِ نَفَاذٌ، بَلْ هُوَ فِيها أُسْتاذٌ، وَلاَ بُدَّ مِنْ أَنْ تَرْشَحَ لَهُ، وَتَسِحَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى قَدْ جَلَّيْتَ عِبَارَتَكَ، فَأَيْنَ شِعْرُكَ مِنْ كَلاَمِكَ؟ فَقَالَ: وَأَيْنَ كَلامِي مِنْ شِعْرِي؟ ثُمَّ اسْتَمَدَّ غَرِيزَتَهُ، وَرَفَعَ ، بِصَوْتٍ ملأَ الوَادِي، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: وأَرْوَعَ أَهْدَاهُ لِيَ اللَّيْلُ وَالْفَلا *** وَخَمْسُ تَمَسُّ الأَرْضَ لكِن كَلاَ وَلا عَرَضْتُ عَلَى نَارِ المَكارِمِ عُوَدهُ *** فَكانَ مُعِماًّ في السِّيَادَةِ مُخْوِلاَ وَخَادَعْتُهُ عَنْ مَالِهِ فَخَدَعْتُهُ *** وَسَاهَلْتُهُ مِنْ بِرِّهِ فَتَسَهـــــَّلاَ وَلَمَّا تَجَالَيْنَا وَأَحْمَدَ مَنْطِقِي *** بَلاَ بِيَ مِنْ نَظْمِ القَرِيضِ بِـمَـا بَـلاَ فَمَا هَزَّ إِلاَّ صَارِماً حينَ هَزَّنِي *** وِلِمْ يَلْقَنِي إِلاَّ إِلَى السَّبْقِ أَوَّلاَ وَلَمْ أَرَهُ إِلاَ *** وَمَـا تحْتَهُ إِلاَّ فَقُلْتُ لَهُ: عَلَى رِسْلِكَ يَا فَتَى، وَلَكَ فِيمَا يَصْحَبُنِي حُكْمُكَ، فَقَالَ: بِمَا فِيهَا، فَقُلْتُ: إِنَّ وَحَامِلَتَهَا، ثُمَّ قَبَضْتُ بجُمْعِي عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: لاَ وَالَّذِي أَلْهَمَهَا لَمْساً، وَشَقَّهَا مِنْ وَاحِدَةٍ خَمْساً، لاَ تُزَايُلنِي أَوْ أَعْلَمَ علْمكَ، فَحَدَرَ لِثَامَهُ عَنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا هُوَ وَاللهِ شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَمَا لَبِثْتُ أَنْ قُلْتُ: تَوَشَّحْتَ أَبَا الْفَتْـحِ *** بِهَذَا السَّيْفِ مُخْتَالاً فَمَا تَصْنَعُ بِالسَّيفِ *** إِذَا لَمْ تَكُ قَتَّـالاً؟ فَصُغْ مَا أَنْتَ حَلَّيْتَ *** بِهِ سَيْفَكَ

المتن من الملك العام برواية ويكي مصدر، مع إصلاح رسم يسير حيث فسد النقل. المس اللفظ الأحمر. الشروح للتذوّق لا للتحقيق.

ألفاظ هذه المقامة