بديع الزمان الهمذاني

المقامة المكفوفية

الأهواز · أعمى يبصر الدينار · 16 لفظاً مؤطَّراً

المقامة المكفوفية

رقعة من البلد، وعصا تجول، ودينار أصفر في كف.

الراوي عيسى بن هشام · البطل أبو الفتح الإسكندري

عيسى يجتاز الأهواز طلباً للفظة شاردة، فيرى حزقة كالقرنبى في شملة صوف، يخبّط الأرض بعصا ذات جلاجل وينشد فقره ودينه ومهر طلتّه. يرقّ له فيهب ديناراً. الرجل يصف الدينار فاقعة صفراء قوراء، فيعلم عيسى أنه متعام. يخلو به ويكشف اللثام: أبو الفتح، ويفتح عينين كتوأمتي لوز. والجواب: أنا أبو قلمون، في كل لون أكون.

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ أَجْتَازُ، فِي بَعْضِ بِلاَدِ الأَهْوَازِ، لَفْظَةٌ شَرُودٌ أَصِيدُهَا، وَكَلِمَةٌ بَلِيَغٌة أَسْتَزِيدُهَا، فَأَدَّانِي السَّيْرُ إِلَى رُقْعَةٍ فَسِيحَةٍ مِنَ البَلَدِ، وَإِذَا هُنَاكَ قَوْمٌ مُجْتَمِعُونَ عَلى رَجُلٍ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَخْبِطُ الأَرْضَ بعصاً على إِيقَاعٍ لاَ يَخْتَلِفُ، وَعَلِمْتُ أَنَّ مَعَ الإِيقَاعِ لَحْناً، وَلَمْ أَبْعُدْ لأَنَالَ مِنَ السَّمَاعِ حَظًّاً، أَوْ أَسْمَعَ مِنَ الفَصِيحِ لَفْظاً، فَمَا زِلْتُ بالنَّظَّارَةِ أَزْحَمُ هَذا وَأَدْفَعُ ذَاكَ حَتَّى وَصَلْتُ إِلى الرَّجُلِ، وَسَرَّحْتُ الطَّرْفَ مِنْهُ إِلَى كَالَقَرَنْبَي أَعمى مَكْفُوفٍ، فِي صُوفٍ، يَدُورُ ، بِأَطْوَلَ مِنْهُ، مُعْتَمِداً على عَصاً فِيهَا يَخْبِطُ الأَرْضَ بِهَا عَلى إِيقَاعٍ غَنِجٍ، بِلَحْنٍ ، وَصَوْتٍ شَجٍ، مِنْ صَدْرٍ حَرِجٍ، وَهْوَ يَقُولُ: يا قَوْمُ قَدْ أَثْقَلَ دَيْنِي ظَهْـرِي *** وَطَالَبَتْنِي بالمَـهْـرِ أَصْبَحْتُ مِنْ بَعْدُ غِنىً وَوَفْرِ *** سَاكِنَ قَفْرٍ وَحَلِيفَ فَـقْـرٍ يا قَوْمُ هَلْ بَيْنَكُمُ مِـنْ حُـرِّ *** يُعِيُننِي على صُرُوفِ الدَّهْرِ يا قَوْمُ قَدْ عِيلَ لِفَقْري صَبْرِي *** وَانْكَشَفَتْ عنِّي ذُيُولُ السِّتْرِ وَفَضَ ذَا الدَّهْرُ بِأَيْدِي البَتْـرِ *** ما كانَ بِي مِنْ فِضَّةٍ وَتِبْـرِ آوِي إِلَى بَيْتٍ كَقِـيدِ شِـبْـرِ *** خَامِلَ قَدْرِ وَصَغِـيرِ قِـدْرِ لَوْ خَتَمَ اللهُ بِـخَـيْرٍ أَمْـرِي *** أَعْقَبَنِي عَنْ عُسُرٍ بِـيُسْـرِ هَلْ مِنْ فَتىً فِيكم كَرِيم *** مُحْتَسِبٍ فِيَّ عَظِيمَ الأجْـرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْتَنَمِاً للشُّكْرِ؟ قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَرَقَّ لَهُ واللهِ قَلْبِي، وَاغْرَوْرَقَتْ لَهُ عَيْنِي، فَنُلْتُهُ ديناراً كانَ مَعِي، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَالَ: يا حُسْنَهَا صَفْـراءُ *** مَمْشوقَةٌ مَنْقُوشَةٌ يِكَادُ أَنْ يَقْطُرَ مِنهَا المَـاءُ *** قَدْ أَثْمَرَتْها هِمَّةٌ عَـلْـياءُ نَفْسُ فَتىً يَمْلِكُهُ السَّخَـاءُ *** يَصْرِفًهُ فِيهِ كمَـا يَشَـاءُ يا ذَا الَّذِي يَعْنيهِ ذَا الثَّنـاءُ *** ما يَتَقَضَّى قَدْرَكَ الإِطْرَاءُ امْضِ إلِى اللهِ لِكِ الجِزِاءُ ورَحِمَ اللهُ مَنْ شَدَّهَا فِي مِثْلِها، وَآنَسَهَا بُأخُتِها، فَنَالَهُ النَّاسُ ما نالُوهُ، ثُمَّ فَارَقَهُمْ وَتَبِعْتُهُ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ ، لِسُرْعَةِ ما عَرَفَ الدِّينَارَ، فَلَمَّا نَظَمَتْنَا خَلْوَةٌ، مَدَدْتُ يُمْنَايَ إِلى يُسْرَى عَضُدَيْهِ وَقُلْتُ: واللهِ لَتُرَينِّي سِرَّكَ، أَوْ لأَكْشِفَنَّ سِتْرَكَ، فَفَتَحَ عَنْ تَوْأَمَتَيْ ، وَحَدَرْتُ لِثَامَهُ عَنْ وَجْهِهِ، فإِذَا وَاللهِ شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلْتُ: أَنْتَ أَبو الفَتْحِ؟ فَقَالَ: لا أَنَا أَبُـو *** فِي كُلِّ لَوْنٍ أَكُـونُ أَخْتَرْ مِنَ الكَسْبِ دُوناً *** فإِنَّ دَهْــرَكَ دُونُ زَجَّ الزَّمَانَ بَحُمْـقٍ *** إِنَّ الزَّمَانَ لا تُكَذَبَنَّ بِـعَـقْـلٍ *** ما العَقْلُ إِلاَّ الجُنُونُ

المتن من الملك العام برواية ويكي مصدر، مع إصلاح رسم يسير حيث فسد النقل. المس اللفظ الأحمر. الشروح للتذوّق لا للتحقيق.

ألفاظ هذه المقامة